تغيّر موازين العالم
في مقالاتنا السابقة، تناولنا التحول الاقتصادي الذي تشهده مصر، وأهدافها في مجال التصنيع، والمزايا التي يوفرها مناخ الاستثمار، والفرص التي يمكن أن تظهر خلال المرحلة المقبلة.
أما الآن، فأود أن أنظر إلى مصر من زاوية أوسع.
فالعالم يتغير، والموازين الاقتصادية يعاد تشكيلها، كما تتغير اتجاهات الإنتاج والتجارة. والدول تبحث عن أسواق جديدة، وفرص استثمارية جديدة، وشراكات اقتصادية جديدة.
وفي هذه المرحلة التي يعاد فيها تشكيل الاقتصاد العالمي، تأتي مصر في مقدمة الدول التي تجذب اهتمام المستثمرين ورؤوس الأموال الدولية.
ومن أهم أسباب ذلك الموقع الاستراتيجي لمصر، وما تمتلكه من قوة بشرية كبيرة.
فمصر تقع في شمال أفريقيا، وفي قلب منطقة الشرق الأوسط، وعلى ساحل البحر المتوسط، كما تقع على طرق التجارة المهمة التي تربط بين أوروبا وآسيا. وفي الوقت نفسه، يوفر عدد سكانها الكبير والشاب إمكانات مهمة من حيث قوة العمل والموارد البشرية.
وهذان العاملان لا يمنحان مصر ميزة تجارية فقط، بل يفتحان أمامها فرصة لتكون مركزاً مهماً للإنتاج والخدمات اللوجستية، إلى جانب دورها الإقليمي.
كما أن قناة السويس، والموانئ، والمناطق الصناعية، وتطور البنية التحتية للنقل تعزز هذه المزايا بشكل أكبر.
فالمستثمر الذي يوجه أنظاره اليوم إلى مصر لا ينظر فقط إلى السوق المصرية، بل ينظر أيضاً إلى الأسواق الأفريقية المتنامية، والعالم العربي، وأوروبا، وطرق التجارة الممتدة إلى آسيا.
وهنا تكمن إحدى أهم مزايا مصر.
فهي لا تمنح المستثمر فرصة للإنتاج داخل السوق المصرية فقط، بل توفر له أيضاً إمكانية الوصول من مصر إلى أسواق متعددة في مناطق مختلفة من العالم.
أما بالنسبة إلى تركيا، فإن هذا التحول يحمل أهمية خاصة.
فخبرة تركيا في مجال الصناعة والإنتاج، إلى جانب الموقع الاستراتيجي لمصر وإمكانية الوصول منها إلى الأسواق الإقليمية، يمكن أن يشكلا أساساً مهماً للتعاون بين البلدين.
ويمكن للاستثمارات المشتركة ونماذج الإنتاج المشترك أن تنقل العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر إلى مستوى جديد.
كما يمكن لهذه الشراكات أن تساهم، ليس فقط في تعزيز التعاون بين البلدين، وإنما أيضاً في خلق مساحة اقتصادية أوسع تمتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
ومن المتوقع أن يصبح دور مصر أكثر وضوحاً خلال المرحلة المقبلة، مع تزايد أهمية الإنتاج والاستثمار والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة ضمن منظومة اقتصادية مترابطة.
لأن قصة مصر اليوم لا تتعلق باقتصادها وحده.
فمصر تعيد تشكيل موقعها كأحد الأطراف المهمة في مساحة اقتصادية واسعة تمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا، ومن أوروبا إلى آسيا.
وفي سلسلة مقالاتنا الجديدة «مصر ودورها الجديد»، سنتناول هذا التحول، ومكانة مصر الإقليمية، والروابط المتزايدة بينها وبين الاقتصاد العالمي.








