لا أرى هذا اللقاء اجتماعاً عادياً يُعقد في إطار البروتوكول.
فقد كان ملتقى مصر وعُمان للصناعة والاستثمار، الذي عُقد في القاهرة، بمثابة بداية لحوار أكثر أهمية بكثير فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي بين البلدين، من وجهة نظري.
النقطة الأكثر لفتاً للانتباه، كشخص شارك في الاجتماع، هي أن المباحثات لم تقتصر فقط على عبارات النوايا الحسنة المتبادلة. فعندما استعرض الوفد العُماني الفرص الاستثمارية، سارع الصناع والمستثمرون المصريون من جهتهم إلى الاستفسار مباشرة عن فرص الاستثمار والإنتاج والشراكة. وأظهرت الصورة الناشئة أن التعاون الاقتصادي بين البلدين يمكن نقله إلى مرحلة جديدة.
المسألة الأساسية الآن هي تحويل هذه الإرادة التي تجلت في القاهرة إلى مشاريع ملموسة وخريطة طريق قابلة للتنفيذ.
لأن الفرصة القائمة بين مصر وعُمان لا تكمن فقط في بيع المزيد من المنتجات لبعضهما البعض؛ بل في الإنتاج معاً، والاستثمار معاً، والانفتاح على الأسواق الثالثة معاً.
نقاط القوة المختلفة للبلدين
سيكون من القصور تقييم مصر وحدها كسوق استهلاكي كبير يبلغ عدد سكانه نحو 120 مليون نسمة.
فمصر تمتلك بنية تحتية صناعية عريقة، وموارد بشرية واسعة، وخبرة إنتاجية، وقاعدة تصنيعية تمتد من النسيج والغذاء إلى الأدوية والكيماويات والآلات والزراعة.
لهذا السبب، فإن إحدى أهم مزايا مصر لا تكمن فقط في سوقها المحلي الكبير، بل أيضاً في قدرتها الإنتاجية والتصديرية.
أما عُمان، فتتمتع بقيمة استراتيجية تتجاوز بكثير تعداد سكانها البالغ نحو 5 ملايين نسمة.
فتكمن قوة عُمان الحقيقية في موقعها الجغرافي، وموانئها الحديثة، وبنيتها التحتية المتقدمة، ومناطقها الاقتصادية والحرة، فضلاً عن موقعها كبوابة لأسواق الخليج وآسيا وشرق إفريقيا.
ولا سيما عند النظر إليها إلى جانب اليمن ودول الخليج وإيران وشرق إفريقيا وآسيا، فإن المحيط الاقتصادي لعُمان يمتد إلى أبعد بكثير من حدود سكانها المحليين.
وبناءً على ذلك، ينبغي عدم مقارنة البلدين ببعضهما، بل تقييمهما كقوتين اقتصاديتين متكاملتين.
عندما تتحد ميزة الإنتاج والحجم لدى مصر مع الموقع الاستراتيجي والقدرة اللوجستية لعُمان، يمكن أن تبرز قيمة اقتصادية أكبر بكثير.
سعي عُمان الجاد نحو الاستثمار كان لافتاً
أثناء المباحثات في القاهرة، كان أحد الأمور التي لفتت انتباهي بشكل خاص هو النهج الحازم الذي اتبعه الوفد العُماني في جذب الاستثمارات.
فقد لاحظت بنفسي أن الوفد لم يكتفِ باستعراض الفرص المتاحة في عُمان فحسب، بل بذل جهداً جاداً من أجل جذب الصناعيين والمستثمرين المصريين إلى بلادهم.
إن نهجهم الهادف إلى فهم احتياجات المستثمرين، والإجابة على تساؤلاتهم، وتقييم فرص الشراكة في قطاعات مختلفة، أظهر بوضوح أن عُمان تسعى بنشاط وجدية لجذب الاستثمار.
أعتقد أن هذه رسالة مهمة.
لأن الاستثمار لا يأتي تلقائياً؛ بل يتطلب الوصول إلى المستثمر، وتقديم المعلومة الصحيحة، وإيجاد إجابات لأسئلته، وبناء الثقة.
إن رؤية جهود الوفد العُماني ونهجه على أرض الواقع كانت واحدة من أكثر جوانب الاجتماع إيجابية من وجهة نظري.
ميزة عُمان الاستثمارية
كانت العروض التي قُدمت حول المناطق الاقتصادية والحرة في عُمان لافتة للانتباه أيضاً من هذا المنظور.
فقد جرى تطوير هذه المناطق المنتشرة في أرجاء البلاد بطريقة تدعم الأنشطة الصناعية والإنتاجية واللوجستية والتجارية.
كما أن القرب من الموانئ والمطارات شبكات النقل يوفر مزايا مهمة للمستثمر.
وما لفت الأنظار هنا لم يكن الحوافز وحدها؛ بل اندماج الإنتاج واللوجستيات والوصول إلى الأسواق ضمن نموذج استثماري واحد.
هذه الميزة تجعل من عُمان مركزاً استثمارياً جديراً بالاهتمام، لا سيما بالنسبة للشركات المصرية التي ترغب في الوصول إلى الخليج وشرق إفريقيا وآسيا.
رسالة الصانع المصري: الملموسية
جانب مهم آخر من اجتماع القاهرة تمثل في موقف الصناعيين المصريين.
فالصناعيون لم يعودوا يريدون مجرد الاستماع إلى وصف فرص الاستثمار، بل باتوا يطالبون بتحويل هذه الفرص إلى واقع ملموس.
إذ تشكل عناوين مثل التكاليف، والبنية التحتية، والحوافز، والقوى العاملة، واللوجستيات، وإجراءات تأسيس الشركات، والضمانات القانونية، أجزاءً طبيعية من قرار الاستثمار.
إلى جانب ذلك، كانت الأمثلة المستمدة من قطاعات مختلفة والتي طرحت في الاجتماع مهمة أيضاً.
فقد تبين إمكانية تكامل البلدين في مجالات مثل النسيج والبتروكيماويات، والصناعات الغذائية، وصيد الأسماك والاستزراع المائي، والصناعات الدوائية، والتقانات الحيوية، وتكنولوجيا المياه، واللوجستيات.
والهدف هنا ليس تعداد أكبر عدد ممكن من القطاعات، بل جمع الشركات الصحيحة في القطاعات المناسبة.
تجاوز حدود التجارة
ستستظل التجارة بأهميتها بالطبع في الحقبة الجديدة من العلاقات الاقتصادية بين مصر وعُمان.
ولكن التجارة قد تكون الخطوة الأولى؛ أما الهدف النهائي فيجب أن يكون الإنتاج المشترك والاستثمار ذو القيمة المضافة الأعلى.
إذ قد تبدأ الشركة بنقل منتجها إلى سوق البلد الآخر، ثم تُنشئ شبكة للتمثيل والتوزيع، وعندما يتشكل السوق، يطرح الإنتاج المشترك أو الاستثمار المباشر على جدول الأعمال.
ومن الممكن لاحقاً نقل النماذج الناجحة إلى أسواق ثالثة مثل الخليج وإفريقيا وآسيا.
هذا النهج من شأنه أن يحول العلاقات الاقتصادية بين البلدين من مستوى التجارة الثنائية البحتة إلى شراكة إقليمية في الإنتاج والتصدير.
القانون والموارد البشرية والتكنولوجيا
الاستثمار ليس مجرد رأس مال ومصنع.
فالضمانات القانونية، وحل النزاعات بشكل سريع ويمكن التنبؤ به، والموارد البشرية المؤهلة، والتدريب المهني، ونقل التكنولوجيا، كلها عناصر لا تتجزأ عن بيئة الاستثمار.
لهذا السبب، من المهم ألا يقتصر التعاون بين مصر وعُمان على التجارة والصناعة وحدها؛ بل يجب أن يشمل أيضاً التعليم، والتطوير المهني، والتكنولوجيا، والابتكار، والموارد البشرية.
لأن أساس الاستثمار المستدام يقوم على تحرك رأس مال والتكنولوجيا والموارد البشرية معاً.
المسألة الأساسية الآن: المشروع الأول
في أعقاب الاجتماع الذي عُقد في القاهرة في 31 أغسطس 2026، يقع أمام الطرفين مسؤولية أكبر بكثير من مجرد تنظيم اجتماع جديد: ألا وهي تحويل الإرادة التي أُظهرت في القاهرة إلى مشاريع ملموسة.
ولتحقيق ذلك، يمكن تأسيس آلية صناعية واستثمارية تعمل بشكل مستمر بين مصر وعُمان.
إذ يمكن للمؤسسات المعنية والجهات الصناعية والمستثمرين في البلدين تحديد القطاعات ذات الأولوية؛ ومواءمة الشركات مع بعضها البعض، ومعاينة المناطق الاستثمارية على أرض الواقع، وإجراء دراسات الجدوى معاً، ووضع جدول زمني عملي وواضح للمشاريع المناسبة.
والهدف هنا ليس تنظيم المزيد من الاجتماعات، بل تحويل نتائج الاجتماعات إلى استثمارات.
وينبغي قياس النجاح لا بعدد الاجتماعات، بل بالاستثمارات المُحققة، والشراكات المُنشأة، وفرص العمل المُستحدثة، والصادرات المُوجهة إلى الأسواق الثالثة.
لأن ما يُحتاج إليه في المرحلة المقبلة واضح جلياً:
إنه وقت التقدم من مشروع إلى مشروع، لا من اجتماع إلى اجتماع.
الكلمة الأخيرة: ماذا سننتج معاً بدلاً ممّا سنبيعه لبعضنا البعض؟
الفكرة الأقوى التي ظلت عالقة في ذهنني من مباحثات 31 أغسطس في القاهرة هي الآتي:
لدى مصر وعُمان الكثير لتُقدماه لبعضهما البعض.
فعدد سكان مصر البالغ نحو 120 مليون نسمة، وقدرتها الإنتاجية، وخبرتها الصناعية تمثل قوة مهمة.
كما أن الموقع الاستراتيجي لعُمان الذي يتجاوز عدد سكانها البالغ 5 ملايين نسمة، وموانئها، ومناطقها الاقتصادية والحرة، وبنيتها التحتية المتقدمة، وفرص وصولها الإقليمي تمثل قوة مهمة بالقدر ذاته.
هاتان القوتان ينبغي وضعهما جنباً إلى جنب، لا في مواجهة بعضهما.
فبإمكان مصر إبراز قوتها الإنتاجية.
وبإمكان عُمان إبراز موقعها الاستراتيجي وإمكانياتها اللوجستية.
وباستطاعة البلدين الاستثمار معاً، والإنتاج معاً، والانفتاح على الأسواق العالمية معاً.
لأن السؤال الحقيقي لم يعد:
"ماذا ستبيع مصر لعُمان؟"
أو
"ماذا ستبيع عُمان لمصر؟"
بل يجب أن يكون السؤال الأساسي:
"ماذا تستطيع مصر وعُمان أن تنتجا معاً؟"
هذا الحوار الذي انطلق من القاهرة يمكن أن يتحول في مسقط إلى استثمار؛ وفي عُمان إلى إنتاج؛ وفي أسواق الخليج وإفريقيا وآسيا والأسواق العالمية إلى نجاح مشترك.
ولتحقيق ذلك، توجد أمام البلدين فرصة جديدة:
تحويل النوايا الحسنة إلى مشروع، والمشروع إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى تصدير.
هذا هو الهدف الحقيقي لخريطة طريق مصر وعُمان.








