ماذا تنتج في مصر؟ قطاعات المستقبل
في الجزء السابق، تحدثت عن الإمكانات الاقتصادية والتجارية في مصر التي تتجاوز سوقها المحلي البالغ 120 مليون نسمة. فالهيئات التجارية الإقليمية مثل الكوميسا، والاتفاقية الثلاثية (TFTA)، ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)، ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA) تخلق فرصاً للشركات التي تنتج في مصر للوصول إلى أسواق أوسع. ومع ذلك، فإن السؤال الرئيسي يأتي الآن في نقطة مختلفة:
ماذا تنتج في مصر؟
لأن الاعتماد على حجم السوق وحدها لا يكفي عند اتخاذ قرار الاستثمار. فالأمر الأهم هو اختيار القطاع الصحيح، والقيام بإنتاج تنافسي، وإيصال المنتج المصنوع إلى أوسع الأسواق الممكنة.
عندما نتقيم قصة التصنيع في مصر للسنوات القادمة، هناك قطاعان ألفت الانتباه إليهما بشكل خاص:
النسيج والغذاء.
إلى جانب هذين القطاعين، أعتقد أن قطاعات مثل الآلات، والتعبئة والتغليف، ومواد البناء، والصناعات المغذية للسيارات، والطاقة، واللوجستيات تحمل أيضاً فرصاً مهمة.
ولكن يجب الحديث عن القاطرتين الأساسيتين أولاً.
النسيج: أحد القطاعات القاطرة للمستقبل
أؤمن بأن النسيج سيحتل مكانة أكثر أهمية بكثير في المستقبل الصناعي لمصر.
النسيج والملابس الجاهزة ليس قطاعاً جديداً على مصر، بل هو على العكس من ذلك أحد أهم مجالات الإنتاج والتصدير في البلاد منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، أعتقد أن دور القطاع بحاجة إلى النمو بشكل أكبر في الفترة القادمة. وهناك عدة أسباب مهمة لذلك:
أولاً: ميزة القوى العاملة. النسيج قطاع كثيف العمالة؛ لذا فإن تكاليف الأجور التنافسية تشكل ميزة مهمة للمصنعين الدوليين. ولكن التكلفة المنخفضة وحدها لن تكفي في المستقبل، بل يجب دعم القوى العاملة بالتدريب والتكنولوجيا وأنظمة الإنتاج الحديثة.
ثانياً: الموقع الجغرافي لمصر. تقع مصر في نقطة عبور مهمة بين أفريقيا، والعالم العربي، والشرق الأوسط، وأوروبا. ولهذا السبب، يجب ألا يكون السوق المستهدف لمصنع نسيج حديث يُؤسس في مصر هو مصر وحدها، بل: أنتج في مصر، بِعْ للمطقة وللعالم.
ثالثاً: ميزة تكلفة الإنتاج الإامة التي يمكن تحقيقها من خلال التخطيط الاستثماري السليم. عندما يتم إدارة العمالة، والأراضي، واللوجستيات، والإمدادات، ومصاريف التشغيل بشكل صحيح، يمكن أن تصبح مصر مركز إنتاج تنافسي للغاية لمنتجي النسيج الدوليين.
ومع ذلك، يجب إجراء تمييز مهم هنا: يجب ألا تكون مستقبل مصر مجرد "دولة إنتاج رخيص"، بل يجب أن يكون الهدف هو: الإنتاج عالي الجودة، والقيمة المضافة العالية، والتسليم السريع، والمعايير الدولية، والقدرة التصديرية القوية.
عندما تجتمع خبرة تركيا في الإنتاج والتكنولوجيا والتصدير في مجال النسيج مع المزايا الجغرافية ومزايا التكلفة في مصر، يمكن أن يبرز نموذج إنتاج قوي للغاية. ولهذا السبب، أنا لا أرى النسيج قطاعاً تقليدياً موروثاً من ماضي مصر، بل قطاعاً استراتيجياً قادراً على حمل مستقبلها.
الغذاء والصناعات الغذائية الزراعية: من النيل إلى العالم
مجال الفرص الثاني الكبير هو الغذاء والصناعات القائمة على الزراعة. وهنا تتدخل إحدى أكبر المزايا الطبيعية لمصر: نهر النيل ومناطق الإنتاج الزراعي التي يشكلها.
تمتلك مصر بنية تحتية إنتاجية مهمة لزراعة مختلف المنتجات الزراعية. الفراولة، والحمضيات، والعنب، والبطاطس، والبصل، والثوم، والزيتون، وغيرها الكثير من المنتجات تحمل إمكانيات كبيرة سواء في السوق المحلي أو في التصدير.
وخاصة الفراولة، فهي إحدى المنتجات القوية لصادرات مصر الغذائية. اليوم، الفراولة الطازجة منتج مهم، وتأتي الفراولة المجمدة لترتقي بقوة الإنتاج والتصدير في مصر في هذا المجال خطوة إضافية للأمام.
ولكن المجال الجديد الذي أود لفت الانتباه إليه بشكل خاص للفترة القادمة هو: الفراولة المجففة.
لأن تقديم المنتج الزراعي إلى السوق مع معالجته وإكسابه قيمة مضافة بدلاً من الاكتفاء بإنتاجه فقط، يعد أمراً بالغ الأهمية لمستقبل صناعة الأغذية في مصر. فالمنتج الطازج قصير العمر، والمنتج المجمد يمكن تخزينه لفترة أطول، بينما يدخل المنتج المجفف في مجالات استخدام مختلفة ليخلق أسواقاً جديدة.
هذا النهج لا يسري على الفراولة وحدها، بل ينطبق على الزيتون، والبصل، والثوم، والفواكه، والخضروات؛ حيث يمكن تحقيق تحول مماثل في جميع هذه المنتجات: من الحقل إلى المصنع، ومن المصنع إلى الأسواق العالمية.
أؤمن بأن الفرصة الحقيقية لمصر في قطاع الغذاء تكمن هنا: ليس فقط إنتاج المنتجات الزراعية، بل معالجتها، وتجفيفها، وتجميدها، وتعبئتها، وتوسيمها، وتصديرها. وبذلك، يتحول الإنتاج الزراعي بحق إلى قوة صناعية وتصديرية.
إن اتحاد تكنولوجيا تصريف الأغذية في تركيا، وأنظمة التجفيف، والتعبئة، وسلسلة التبريد، وخبرة تصنيع الآلات مع القدرة الإنتاجية الزراعية لمصر يمكن أن يشكل فرصاً مهمة هنا. ومستقبل قطاع الغذاء كما أراه واضح جداً: المنتج الخارج من النيل يجب أن يكتسب قيمة في المصانع المصرية ليصل إلى موائد العالم.
الآلات، والتعبئة والتغليف، ومواد البناء
إلى جانب النسيج والغذاء، يجب أن ينمو قطاع الآلات والمعدات مع تقدم التصنيع. فعندما تتصنع الدولة، فإنها لا تحتاج إلى المنتجات الاستهلاكية فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى الآلات التي تتطلبها المصانع المنتجة. آلات الأغذية، والآلات الزراعية، وآلات التعبئة والتغليف، والمعدات الصناعية، وخطوط الإنتاج هي مجالات مهمة من هذا المنظور.
وبالمثل، سيصبح قطاع التعبئة والتغليف أكثر أهمية مع نمو قطاع الأغذية والصادرات. أما مواد البناء فهي المكمل الطبيعي للاستثمارات السكنية والبنية التحتية والصناعية؛ حيث توجد فرص في مجالات مثل الأسمنت، والسيراميك، والزجاج، والعزل، والكيماويات الإنشائية، والمنتجات المعدنية، سواء بالنسبة للسوق المحلي أو للتصدير الإقليمي.
السيارات والصناعات المغذية
أحد القطاعات التي يمكن أن تكتسب أهمية أكبر في مستقبل مصر هو قطاع السيارات. ولكن لا ينبغي التفكير في تصنيع السيارات وحدها هنا، فالنظام البيئي الأكبر يكمن في قطع الغيار، والأجزاء البلاستيكية، والأجزاء المعدنية، وأنظمة الأسلاك، والمعدات الإلكترونية، وغيرها من منتجات الصناعات المغذية.
الصناعة القوية للسيارات تبني حولها شبكة مورّدين قوية. ويجب ألا يكون هدف مصر مجرد كونها دولة تقوم بتجميع السيارات، بل أن تصبح أحد المراكز المهمة لسلسلة توريد السيارات الإقليمية.
الطاقة واللوجستيات
عندما نتحدث عن صناعة المستقبل، لا يمكن فصل الطاقة واللوجستيات عن المشهد. فقوة تنافسية المصنع لا تُحدد بجودة المنتج وحدها؛ بل إن تكلفة الطاقة، ومدة وصول المواد الخام إلى المصنع، وتكلفة نقل المنتج النهائي إلى العملاء هي أيضاً جزء من الإنتاج.
لهذا السبب، تحظى البنية التحتية للطاقة في مصر، واستثمارات الطاقة المتجددة، والموانئ، وقناة السويس، والمراكز اللوجستية بأهمية بالغة لمستقبل الصناعة. فالمسافة بين المصنع والميناء تكون أحياناً بأهمية المصنع نفسه. وإذا تمكنت مصر من استخدام هذه الميزة بشكل أكثر فعالية، فيمكنها إنشاء مركز إقليمي قوي يربط الإنتاج باللوجستيات.
القضية الأساسية ليست فيما ننتجه، بل كيف ننتجه
عند تقييم كل هذه القطاعات، فإن النقطة الأهم بالنسبة لي هي الآتي: مستقبل مصر لن يتشكل فقط من خلال بناء المزيد من المصانع، بل سيتشكل عبر القيام بإنتاج أكثر كفاءة، وأعلى جودة، وأكثر تنافسية.
قد يكون بناء مصنع أمراً سهلاً، ولكن القضية الأساسية هي القدرة على تشغيله بمعايير عالمية:
الحفاظ على الجودة باستمرار،
استخدام الطاقة بكفاءة،
تربية كوادر بشرية مؤهلة،
تأسيس سلسلة التوريد الصحيحة،
والأهم من ذلك، جعل ما تنتجه قادراً على المنافسة في السوق العالمي.
هنا توجد فرصة كبيرة أمام مصر.
تركيا ومصر: قوتان إنتاجيتان متكاملتان
بالنظر من منظور تركي، أنا لا أرى الفرصة مجرد "استثمار في مصر"، بل أعتقد أن هناك حاجة إلى منظور أوسع:
التكنولوجيا من تركيا...
الإنتاج في مصر...
البيع في أفريقيا والعالم العربي...
التصدير إلى أوروبا...
هذا النموذج، عندما يُطبق في القطاعات الصحيحة، يمكن أن ينشئ بين البلدين ليس مجرد تجارة، بل نظاماً بيئياً إقليمياً مشتركاً للإنتاج.
كلمة النهاية
عندما أنظر إلى قصة التصنيع في مصر في السنوات القادمة، أرى أمامنا صورة واضحة جداً:
يجب أن ينمو النسيج.
يجب أن يتم تصنيع الغذاء بشكل أكبر.
يجب أن تندمج الزراعة مع الصناعة.
يجب أن يتطور إنتاج الآلات والمعدات.
يجب أن تقوى الصناعات المغذية للسيارات.
يجب أن تنمو التعبئة ومواد البناء.
يجب أن تفتح البنية التحتية للطاقة واللوجستيات الطريق أمام الإنتاج.
ولكن يجب أن يكون هناك هدف واحد فوق كل ذلك: أن تنتج في مصر وتبيع للعالم.
لأن الأمر لم يعد مجرد الإنتاج لسوق مصر البالغ 120 مليون نسمة، بل القدرة على النظر أبعد من سوق الـ 120 مليوناً: نحو أفريقيا، والعالم العربي، وأوروبا، وبشكل متزايد نحو الأسواق العالمية. الفرصة الحقيقية أمام مصر تكمن هنا.
ولكن كل فرصة يرافقها علامة استفهام: ما هي أهم العقبات أمام هذا الإمكانات الضخمة؟ ما هي المخاطر التي يجب أن يأخذها المستثمر في الاعتبار؟ ما هي المشكلات الاقتصادية الأساسية التي يتعين على مصر حلها؟
والأهم من ذلك... هل ستكون مصر حقاً قادرة على تقييم هذه الفرصة الكبيرة وهي تسير نحو عام 2030؟
هذا ما سنتحدث عنه قليلاً في الجزء القادم من سلسلة مقالات "أين تذهب مصر؟". لأنه حان الوقت للحديث ليس فقط عن فرص مصر، بل أيضاً عن الاختبارات التي تنتظر مصر.
نراكم في الجزء القادم.








