من المواد الخام إلى المنتجات، ومن المنتجات إلى التصدير
لا يتوقف نجاح الاستراتيجية الصناعية الجديدة في مصر على زيادة حجم الإنتاج والصادرات فحسب، بل يعتمد أيضاً على رفع القيمة المضافة المحلية وتقليل الاعتماد على مدخلات الإنتاج الصناعي المستوردة.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى هدف الوصول بالصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 باعتباره مجرد رقم مستهدف للصادرات. فالقضية الأساسية تتمثل في مدى اعتماد المنتجات المصرية المصدّرة على المواد الخام والمنتجات الوسيطة والموردين المحليين.
بناء سلسلة الإنتاج داخل مصر
تُعد صناعة المسبوكات المعدنية أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فالعديد من القطاعات، بدءاً من صناعة السيارات والآلات وصولاً إلى الطاقة والصناعات الثقيلة، تعتمد على المنتجات المعدنية المسبوكة. ويعكس حجم سوق المسبوكات العالمي، الذي يُقدّر بنحو 190 مليار دولار، الإمكانات الاقتصادية الكبيرة لهذا القطاع.
وتحتاج مصر إلى تطوير قدراتها الحالية في صناعة المسبوكات من خلال إدخال التقنيات الحديثة، إلى جانب تعزيز إنتاج السبائك والمواد الحرارية المقاومة للحرارة ومنتجات تشغيل المعادن ومكونات الآلات. ومن شأن ذلك أن يسهم في تلبية احتياجات الصناعة المحلية، ويفتح المجال أمام زيادة الصادرات إلى الأسواق الإقليمية.
كما يبرز الاتفاق بين شركة BME وشركة CATL الصينية بشأن إنتاج البطاريات الكهربائية أهمية الاستثمار في القطاعات التكنولوجية الجديدة. غير أن المساهمة الحقيقية لهذه الاستثمارات لا تتحقق بمجرد تصنيع المنتج النهائي داخل مصر، بل تتطلب أيضاً تطوير الموردين المحليين وتعزيز البنية التحتية التكنولوجية.
ضرورة اتخاذ خطوات عملية
تتمثل الخطوة الأولى في تحديد أنواع مدخلات الإنتاج الصناعي التي يتم استيرادها وكمياتها، ثم إعطاء الأولوية للمنتجات التي يمكن تصنيعها داخل مصر بقدرة تنافسية.
كما ينبغي إنشاء روابط توريد فعالة بين المصانع الكبرى والمشروعات الصغيرة والمتوسطة المحلية، مع دعم نقل التكنولوجيا والتدريب المهني وتطبيق معايير الجودة.
ويجب ألا يقتصر تمويل الاستثمارات الصناعية على إنشاء المباني والمنشآت، بل ينبغي توجيه جزء أكبر منه نحو الآلات والأتمتة وتحسين كفاءة الإنتاج.
وإلى جانب متابعة مستهدفات التصدير، من الضروري قياس نسبة المكونات ومدخلات الإنتاج المحلية، ورصد التغيرات في مستوى الاعتماد على الواردات.
ويمثل التعاون بين تركيا ومصر فرصة مهمة في هذا المسار، إذ يمكن الجمع بين الخبرات التركية في صناعة الآلات وتشغيل المعادن والصناعات المغذية، وبين القدرات الإنتاجية المصرية وإمكانية الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
القيمة المضافة هي الهدف الأساسي
لا يمكن قياس نجاح التحول الصناعي في مصر بمجرد زيادة عدد المصانع أو ارتفاع أرقام الصادرات.
فالأهم هو بناء سلاسل التوريد المرتبطة بالعملية الإنتاجية، وتعزيز قدرات الشركات المحلية، وتطوير الإمكانات التكنولوجية.
إن بناء منظومة صناعية قادرة على معالجة المواد الخام، وإنتاج السلع الوسيطة، وتصنيع المنتجات النهائية وتصديرها إلى الأسواق العالمية، لن يوفر لمصر عائدات تصديرية فحسب، بل سيسهم أيضاً في خلق فرص العمل، وتطوير التكنولوجيا، وتحقيق قدرة تنافسية مستدامة.







