أابعد من سوق الـ 120 مليوناً: أفق مصر الجديد
في الأقسام الخمسة الأولى من سلسلة مقالات "إلى أين تسير مصر؟"، حاولت تقييم التحول الاقتصادي في مصر، وأهداف التصنيع، ورؤية 2030، ومستقبل العلاقات الاقتصادية مع تركيا، وإصلاحات القطاع الصناعي التي أُعلن عنها مؤخراً.
هذه المرة، أريد أن أنظر إلى أبعد قليلاً.
لأن تقييم مستقبل مصر داخل حدودها وحدها لم يعد كافياً.
تكمن قوة مصر الاستراتيجية الحقيقية في موقعها عند تقاطع إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
فقناة السويس، والموانئ المتطورة، والبنية التحتية للطاقة، والمناطق الصناعية، واستثمارات النقل تجعل هذا الموقع أكثر أهمية.
ومع ذلك، فإن الموقع الجغرافي وحده لا يعني قوة اقتصادية.
المسألة الأساسية هي تحويل هذه المزايا إلى إنتاج وتجارة وتصدير.
اليوم، لم يعد السؤال الذي يجب طرحه بشأن مصر هو فقط:
"ما حجم ما يمكننا إنتاجه؟"
بل السؤال الأهم هو:
"إلى كم سوقاً مختلفاً يمكننا إيصال منتجاتنا؟"
أبعد من سوق الـ 120 مليوناً
تمتلك مصر سوقاً محلياً كبيراً يضم نحو 120 مليون نسمة.
وهذه بالطبع مزية مهمة.
ومع ذلك، فإن القوة الصناعية للدولة لا يحددها فقط حجم مستهلكيها المحليين. فدول الإنتاج القوية هي التي تستطيع تجاوز أسواقها المحلية.
لا ينبغي أن يكون هدف المصنع الذي سيُقام في مصر مقصوراً على المستهلك في مصر وحدها.
بل يجب التخطيط لذلك المصنع بحيث يستطيع الوصول إلى:
إفريقيا،
العالم العربي،
وأوروبا.
عندها فقط يمكن إبراز إمكانات مصر الحقيقية.
اليوم، لا يقتصر أمام مصر سوق محلي يبلغ 120 مليوناً فحسب، بل تمتلك نطاقاً اقتصادياً أوسع بكثير بفضل اتفاقياتها التجارية وموقعها الاستراتيجي.
تشير هيئة الاستثمار الرسمية في مصر (GAFI) إلى أن البلاد تمتلك إمكانية الوصول إلى حوالي 1.5 مليار مستهلك بفضل اتفاقيات التجارة المختلفة. (GAFI)
هذا الرقم يخبرنا في الواقع بشيء مهم:
القصة الاقتصادية لمصر ليست قصة مصر وحدها.
البوابة إلى إفريقيا
البنية الاقتصادية لإفريقيا تتغير بسرعة.
فالنمو السكاني في تزايد، والتنشئة الحضرية تتسارع، وعادات الاستهلاك تتغير، وتظهر مراكز إنتاج جديدة.
يمكن أن تتشكل فرص مهمة في السنوات القادمة في مجالات عديدة مثل الغذاء، والآلات، والتعبئة والتغليف، ومواد البناء، والأدوية، والمنسوجات، والمعدات الكهربائية.
تمتلك مصر مزية مهمة هنا.
لأن مصر ليست قريبة من إفريقيا فحسب؛ بل تقع في نقطة استراتيجية في شمال إفريقيا تفتح على أوروبا والعالم العربي.
لذلك، يجب ألا يكون هدف مصر مجرد بيع المزيد من المنتجات لإفريقيا.
بل يجب أن يكون الإنتاج من أجل إفريقيا.
وفي هذا الصدد، يلفت الانتباه أيضاً زيادة مبادرات مصر الأخيرة للاستفادة بشكل أكبر من اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) وتعزيز حضورها في الأسواق الإفريقية. (GAFI)
العالم العربي أيضاً جزء من المعادلة
المزية الأخرى الهامة لمصر هي العالم العربي.
إلى جانب العلاقات التاريخية والثقافية والاقتصادية، فإن آليات التجارة القائمة تعزز وصول مصر إلى الأسواق العربية.
كما أن التقاء رؤوس الأموال الخليجية مع القدرة الإنتاجية لمصر يمكن أن يُفرز نماذج استثمارية هامة في المرحلة القادمة.
ويُعد الغذاء، والزراعة، والطاقة، والخدمات اللوجستية، ومواد البناء، والآلات، والمنتجات الاستهلاكية مجرد أمثلة قليلة للمجالات التي يمكن أن تبرز فيها هذه الشراكات.
لذلك، فإن تعريف مستقبل مصر بأنه "الانفتاح على إفريقيا" فقط يُعد ناقصاً أيضاً.
في رأيي، التعريف الصحيح هو:
تمتلك مصر فرصة لتكون جسراً هاماً للإنتاج والتجارة بين إفريقيا والعالم العربي.
معادلة جديدة لتركيا
هذه التطورات تكتسي أهمية بالغة بالنسبة لتركيا أيضاً.
حتى اليوم، قيّمنا العلاقة الاقتصادية بين تركيا ومصر إلى حد كبير من خلال التجارة الثنائية بين البلدين.
بينما أمامنا نموذج مختلف:
الخبرة التكنولوجية والإنتاجية في تركيا...
الإنتاج في مصر...
الأسواق في إفريقيا والعالم العربي وأوروبا...
إذا تم تطبيق هذا النموذج، يمكن أن تتحول العلاقة الاقتصادية بين تركيا ومصر من مجرد علاقة تصدير واستيراد إلى شراكة إنتاج إقليمية.
أعتقد أن الفرصة الحقيقية تكمن هنا.
القصة الحقيقية تبدأ الآن
لفهم هذه المساحة السوقية الكبيرة التي أمام مصر، من الضروري إلقاء نظرة عن قرب على بعض الاتفاقيات التجارية.
ما هو الكوميسا (COMESA)؟
ما هو موقع مصر داخل الكوميسا؟
ماذا تعني لمصر منطقة التجارة الحرة الثلاثية (TFTA) بين الكوميسا ومجموعة شرق إفريقيا (EAC) ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC) والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2024؟
كيف يمكن لاتفاقية (AfCFTA) تغيير صادرات مصر في إفريقيا؟
وفي العالم العربي:
ماذا تكسب مصر من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA)؟
والأهم من ذلك:
كيف يمكن لمستثمر ينتج في مصر الاستفادة من كل هذه الشبكات التجارية؟
برأي، تُعد إجابات هذه الأسئلة بالغة الأهمية لفهم مستقبل مصر.
لذلك، سأتعمق في الموضوع بشكل أكبر في مقالي القادم.
في القسم القادم
الكوميسا، والـ TFTA، والـ AfCFTA، والـ GAFTA...
ما هي هذه الاتفاقيات؟
ما هي الأسواق التي تربط بينها؟
ماذا تقدم لمصر؟
والأهم من ذلك:
ما هو المعنى الحقيقي لذلك بالنسبة لمستثمر ينتج في مصر؟
سأتناول هذه النقاط واحدة تلو الأخرى.
لأن فهم الفرصة المتاحة أمام مصر لا يقتصر على النظر إلى المصانع وحدها.
بل يجب النظر إلى الخريطة أيضاً.
اليوم، عندما أنظر إلى مصر، لا أرى مجرد دولة كبيرة.
بل أرى بوابة إفريقيا الشمالية...
وأحد المراكز الإنتاجية الهامة في العالم العربي...
ونقطة تجارية استراتيجية تنفتح على أوروبا...
وإمكانات اقتصادية كبيرة قادرة على ربط كل هذه العناصر ببعضها البعض.
لن يُشكل مستقبل مصر داخل حدودها وحدها.
بل سيُشكل مستقبل مصر عبر الروابط الاقتصادية التي ستنشئها مع الأسواق المحيطة بها.
وبالنسبة لي، القصة الكبيرة الحقيقية تبدأ الآن.
نلتقي في القسم القادم.











