خريطة التجارة الجديدة في أفريقيا: COMESA وTFTA وAfCFTA وGAFTA
في مقالي السابق، تحدثت عن الفرص التي توفرها مصر خارج نطاق سوقها المحلية التي يبلغ عدد سكانها نحو 120 مليون نسمة.
واليوم أود أن أتعمق أكثر في هذا الموضوع.
لأن فهم القوة الاقتصادية لمصر لا يعتمد فقط على النظر إلى المصانع والموانئ والبنية التحتية.
بل يجب أيضًا النظر إلى خريطة التجارة.
ومن أهم المزايا الاستراتيجية التي تتمتع بها مصر قدرتها على الوصول إلى أسواق واسعة جدًا من خلال مختلف اتفاقيات التجارة الإقليمية والدولية.
وتشير الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر، GAFI، إلى أن هذه الاتفاقيات التجارية المختلفة تمنح مصر إمكانية الوصول إلى سوق تضم نحو 1.5 مليار مستهلك. (GAFI)
فما هي الاتفاقيات التي تقف وراء هذا السوق الضخم؟
من أبرزها COMESA وTFTA وAfCFTA وGAFTA.
ورغم أن أسماءها قد تبدو متشابهة، فإن لكل اتفاقية نطاقًا وأهدافًا مختلفة.
COMESA: إحدى البوابات الأفريقية الكبرى لمصر
COMESA هو السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا.
انضمت مصر إلى هذه المنظومة عام 1998.
ويتمثل الهدف الأساسي لـ COMESA في تطوير التجارة بين الدول الأعضاء، وتقليل الحواجز الجمركية والتجارية، والعمل تدريجيًا على إنشاء سوق إقليمية أكثر تكاملًا.
ومن أهم مزايا COMESA بالنسبة لمصر أن المنتجات التي تستوفي قواعد الاتفاقية وقواعد المنشأ يمكنها الاستفادة من المزايا الجمركية عند التجارة بين الدول الأعضاء. (GAFI)
وهنا تكمن النقطة المهمة:
بالنسبة إلى شركة تقوم بالإنتاج في مصر، فإن COMESA ليست مجرد اتفاقية تجارية.
إنها بوابة إلى شرق وجنوب أفريقيا.
ولهذا السبب، فإن المستثمر الصناعي الذي يستثمر في مصر يجب ألا ينظر فقط إلى السوق المصرية، بل يجب أن يضع منطقة COMESA أيضًا ضمن استراتيجية الاستثمار.
TFTA: منطقة تجارية أفريقية أوسع
أما الإطار الثاني المهم فهو TFTA.
وهو منطقة التجارة الحرة الثلاثية التي تجمع بين COMESA، ومجموعة شرق أفريقيا (EAC)، ومجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية (SADC).
دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 25 يوليو 2024، وكانت مصر من بين الدول التي صدقت عليها.
وتضم التجمعات الاقتصادية الإقليمية الثلاثة، مجتمعة، 29 دولة، وأكثر من نصف أعضاء الاتحاد الأفريقي، ويبلغ عدد سكانها نحو 800 مليون نسمة. (comesa.int)
ولهذا السبب، فإن النظر إلى TFTA باعتبارها مجرد اتفاقية تجارية جديدة سيكون تبسيطًا غير دقيق.
وتقوم TFTA على ثلاثة محاور رئيسية:
التجارة وتكامل الأسواق…
تطوير البنية التحتية والربط بين الدول…
التصنيع وزيادة القدرات الإنتاجية. (comesa.int)
وأعتقد أن النقطة الثالثة مهمة بشكل خاص.
لأن القضية لا تتعلق فقط بتسهيل عبور السلع للحدود.
بل تتعلق بربط سلاسل الإنتاج ببعضها البعض.
إن قدرة منتج يتم تصنيعه في مصر على الوصول بسهولة أكبر إلى شرق أفريقيا وجنوبها أو إلى أسواق أخرى في هذه المناطق يمكن أن تعزز هدف مصر في التحول إلى مركز إقليمي للإنتاج.
لكن هناك تفصيلًا مهمًا يجب الإشارة إليه هنا:
دخول TFTA حيز التنفيذ لا يعني أن جميع عناصر التجارة بموجب الاتفاقية أصبحت مطبقة فعليًا بالكامل.
وتشير COMESA إلى أنه من المتوقع أن تبدأ التجارة في إطار TFTA في عام 2026، وأن آليات التنفيذ لا تزال قيد التطوير. (comesa.int)
بمعنى آخر، لا تزال هناك عملية مهمة أمامنا.
وهذه العملية يجب متابعتها عن كثب من جانب مصر.
AfCFTA: السوق المشتركة لأفريقيا
وفوق TFTA، هناك إطار أوسع:
AfCFTA – منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
وهي واحدة من أهم الأدوات لتحقيق هدف أفريقيا المتمثل في إنشاء منطقة تجارية مشتركة على مستوى القارة بأكملها.
كانت مصر من بين الدول التي صدقت على اتفاقية AfCFTA في عام 2019.
ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 30 مايو 2019. (الاتحاد الأفريقي)
ولا يقتصر هدف AfCFTA على خفض الرسوم الجمركية.
بل تهدف إلى تطوير تجارة السلع والخدمات، ودعم الاستثمارات، وزيادة التجارة البينية الأفريقية، وتمكين الدول الأفريقية من بناء سلاسل إنتاج وتوريد أقوى فيما بينها.
وبالنسبة إلى مصر، فإن هذا الأمر يحمل أهمية كبيرة جدًا.
لأن مصر لا تواجه فقط عددًا محدودًا من الأسواق الأفريقية، بل أمامها مساحة اقتصادية أوسع بكثير تهدف، بمرور الوقت، إلى تغطية القارة بأكملها.
ولهذا السبب، من المهم جدًا أن تعزز مصر جهودها للاستفادة بشكل أكبر من الفرص التي توفرها AfCFTA وزيادة صادراتها إلى أفريقيا.
GAFTA: بوابة إلى العالم العربي
إلى جانب أفريقيا، تتمتع مصر بميزة كبيرة أخرى: العالم العربي.
وهنا تأتي GAFTA – منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
ويتمثل الهدف الأساسي لـ GAFTA في تسهيل التجارة بين الدول العربية وتقليل الحواجز التجارية.
وبالنسبة إلى مصر، تزداد أهمية GAFTA بفضل العلاقات التاريخية والاقتصادية القوية التي تربط البلاد بالعالم العربي. (GAFI)
وهذا يخلق فرصة أخرى للشركات التي تقوم بالإنتاج في مصر:
الإنتاج في مصر والوصول إلى السوق العربية.
وخاصة في قطاعات مثل الأغذية، والزراعة، ومواد البناء، والتغليف، والآلات، والمنسوجات والسلع الاستهلاكية، يمكن الاستفادة بشكل أكبر من هذه الروابط.
أربع اتفاقيات، وميزة استراتيجية واحدة
لنضع الآن هذه الأطر الأربعة جنبًا إلى جنب:
COMESA → شرق وجنوب أفريقيا
TFTA → تكامل تجاري أوسع بين COMESA + EAC + SADC
AfCFTA → منطقة تجارية مشتركة تستهدف القارة الأفريقية بأكملها
GAFTA → العالم العربي
وعندما نضيف إلى ذلك الروابط التجارية القائمة بين مصر وأوروبا، والاتفاقيات التي تربط مصر بعدد من الدول، بما في ذلك تركيا، فإن السوق المتاحة أمام المستثمر الذي يقوم بالإنتاج في مصر تصبح واسعة للغاية.
ولهذا السبب، أرى أن وصف قصة الاستثمار في مصر بأنها مجرد “سوق تضم 120 مليون نسمة” لم يعد كافيًا.
فالمعنى الحقيقي للاستثمار في مصر يكمن في إمكانية الوصول إلى أسواق إقليمية أوسع بكثير عند بناء نموذج الإنتاج المناسب.
ماذا يعني ذلك للمستثمر التركي؟
هنا أرى فرصة مهمة جدًا بالنسبة إلى تركيا.
فيمكن الجمع بين خبرة تركيا في التصنيع، وبنيتها الهندسية، وصناعة الآلات لديها، وثقافة التصدير، وبين الموقع الجغرافي لمصر وروابطها التجارية.
والنموذج الذي يمكن أن ينتج عن ذلك واضح إلى حد كبير:
التكنولوجيا والخبرة التصنيعية من تركيا…
الإنتاج في مصر…
الأسواق في أفريقيا والعالم العربي…
وفرص التصدير إلى أوروبا…
هذا النموذج لن يؤدي فقط إلى زيادة حجم التجارة بين البلدين.
بل يمكن أن يخلق استثمارات جديدة.
ويوفر فرص عمل جديدة.
ويطور سلاسل التوريد.
ويسهم في بناء شراكة إنتاجية إقليمية حقيقية بين تركيا ومصر.
القضية الأساسية ليست توقيع الاتفاقية
لكن هناك نقطة مهمة يجب التأكيد عليها.
وجود اتفاقية تجارية وحده لا يكفي.
السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى يمكن استخدام هذه الاتفاقية فعليًا على أرض الواقع؟
هل ستصبح الإجراءات الجمركية أسرع؟
هل ستكون قواعد المنشأ سهلة التطبيق والفهم بالنسبة إلى المستثمر؟
هل ستكون تكاليف الخدمات اللوجستية تنافسية؟
هل ستصبح عمليات العبور الحدودي أكثر سهولة؟
هل سيتم تطوير أنظمة التمويل والدفع؟
والأهم من ذلك، هل سيتم إطلاع القطاع الخاص بشكل كافٍ على الفرص التي توفرها هذه الاتفاقيات؟
في رأيي، هذا أحد أهم الملفات التي ينبغي للحكومة المصرية التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة.
لأن الاتفاقية التجارية هي باب؛ أما المنتج والمستثمر فهما من سيدخلان من هذا الباب.
ومهمة مصر ليست فقط فتح هذه الأبواب، بل تسهيل مرور المستثمرين من خلالها.
ماذا تخبرنا الخريطة؟
عندما أنظر اليوم إلى جميع هذه الاتفاقيات مجتمعة، أرى أمام مصر نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا إلى حد كبير.
يمكن لمصر أن تكون دولة تنتج بشكل أساسي لسوقها المحلية.
أو…
يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي للإنتاج يخدم أفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
وأعتقد أن هذا هو الخيار الحقيقي المطروح أمام مصر.
والخطوات التي اتخذت خلال السنوات الأخيرة تشير إلى توجه نحو الخيار الثاني.
الفرصة أمام مصر كبيرة.
لكن المسؤولية كبيرة أيضًا.
رفع جودة الإنتاج…
خفض التكاليف…
تعزيز الخدمات اللوجستية…
تطوير الكوادر البشرية المؤهلة…
وتوفير بيئة أعمال يمكن للمستثمر التنبؤ بها…
إذا نجحت مصر في تحقيق كل ذلك، فإن الاتفاقيات التجارية ستتوقف عن كونها مجرد وثائق على الورق، وستتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وربما تكون الطريقة الأفضل لفهم مستقبل مصر اليوم ليست فقط النظر إلى القاهرة.
بل النظر إلى أين تتجه الطرق الخارجة من القاهرة.
لأن مستقبل المنتج الذي يتم تصنيعه في مصر لم يعد موجودًا في مصر وحدها.
بل يمكن أن يكون في أفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
وفي الفصل القادم، سأركز على السؤال الأهم في هذه الخريطة الكبيرة:
من الذي ينبغي أن ينتج ماذا في مصر، وكيف؟
لأن معرفة الاتفاقيات أمر مهم.
لكن الأهم هو كيفية تحويل الفرص التي توفرها هذه الاتفاقيات إلى واقع من خلال الاستثمارات الصحيحة.
إلى اللقاء في الفصل القادم.











