: حقبة جديدة في الصناعة: الإصلاحات والتحول المرتكز على الإنتاج
في سلسلة مقالات "إلى أين تتجه مصر؟" التي شرعت في كتابتها قبل أسابيع؛ حاولت تقييم التحول الاقتصادي في مصر، وعملية التصنيع، ورؤية 2030، ومستقبل التعاون الاقتصادي بين تركيا ومصر.
إلا أن الإصلاحات الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الصناعة المصرية مؤخراً جعلتني أعيد تناول هذا الجزء الخامس من السلسلة.
لأن التنظيمات المُعلنة ليست مجرد تعديلات فنية في التشريعات؛ بل هي خطوات مهمة تُظهر تبني فكر جديد كلياً في السياسات الصناعية لمصر.
في السنوات الأخيرة، خصصت مصر موارد هامة للبنية التحتية للنقل، ومشاريع الطاقة، والموانئ، والمناطق الصناعية الحשתية (المنظمة). وتُظهر الإصلاحات المعلنة اليوم أن هذه الاستثماراتها المادية بدأت تدعمها إدارة جديدة مركزة على المستثمر.
في رأيي، إن الهدف المشترك لهذه الإصلاحات واضح تماماً:
بدء الإنتاج بسرعة أكبر، وتقليل تكاليف الاستثمار، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية.
أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج هو التنظيمات الجديدة المتعلقة بالأراضي الصناعية.
في السابق، كان على المستثمرين انتظار فترات زمنية محددة لنقل الأراضي الصناعية أو تأجيرها أو تغيير هيكل الشراكة فيها. ومع اللوائح الجديدة، يتم إنشاء هيكل أكثر مرونة للمستثمرين الذين يحصلون على رخصة التشغيل، ويسجلون في السجل الصناعي، ويفون بالتزاماتهم، ويبدأون الإنتاج الفعلي.
هذا التغيير يمثل في نظري تحولاً عقلياً هاماً.
من الآن فصاعداً، الأساس هو الإنتاج وليس الوقت.
هذا النهج الذي يوجه المستثمر نحو الإنتاج بدلاً من جعله ينتظر، يشكل أساس السياسات الصناعية الحديثة.
الركيزة الثانية المهمة لحزمة الإصلاحات هي التحول الرقمي.
من خلال "منصة الصناعة الرقمية الموحدة" التي أطلقتها وزارة الصناعة، سيتمكن المستثمرون من فحص الأراضي الصناعية، وتقديم الطلبات إلكترونياً، ومتابعة إجراءاتهم بشكل رقمي، والوصول إلى الفرص الاستثمارية من مركز واحد.
أحد أكثر تطبيقات المنصة لفتًا للانتباه هو إعادة فتح المصانع المعطلة منذ سنوات أمام المستثمرين الجدد.
سيتم توفير مواقع المصانع العاطلة، ومجالات نشاطها، وحالة مبانيها الحالية، وبنية الآلات والمعدات فيها، ومعلومات تراخيصها لمستثمري المستقبل عبر المنصة الرقمية.
وبالتالي، بدلاً من تأسيس منشآت من الصفر، ستتاح للمستثمرين فرصة تقييم المرافق الجاهزة وبدء الإنتاج في وقت أقصر.
لن يؤدي هذا النهج إلى تقليل تكاليف الاستثمار فحسب، بل سيساهم أيضاً في إعادة الأصول الصناعية المعطلة التي لم تقدم مساهمة للاقتصاد لسنوات إلى دائرة الإنتاج.
جانب آخر مهم من الإصلاحات هو تعزيز التعاون بين الشركات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الصناعية الكبرى.
تطوير سلسلة التوريد المحلية...
تقليل الاعتماد على الواردات...
دعم الإنتاج المحلي...
زيادة القدرة التصديرية...
كل هذه الأهداف تكشف عن إرادة مصر في بناء هيكل صناعي أكثر تنافسية وقوة.
والتنظيمات المُعلنة لا تقتصر على ذلك فحسب.
فإن نموذج "الملكية عن طريق الإيجار" المُطبق في الأراضي الصناعية يهدف إلى تقليل التكاليف الاستثمارية الأولى للمستثمر. كما أن تخفيض القيم الرسمية للوحدة المستخدمة في حساب تكاليف البناء بشكل كبير يخفف العبء المالي في عمليات الترخيص. وفي حين يهدف "مشروع القرى المنتجة" إلى نشر الصناعة في المناطق الريفية، فإن أنظمة ما قبل جدوى المشاريع المدعومة بالذكاء الاصطناعي ومنصات التجارة الإلكترونية بين الشركات (B2B) الرقمية تضيف بُعداً جديداً لعمليات الاستثمار.
لا ينبغي النظر إلى هذه الخطوات كلوائح مستقلة عن بعضها البعض. بل على العكس، هي أجزاء من برنامج إصلاحي متكامل يهدف إلى تسريع الإنتاج، وتقليل العقبات أمام المستثمر، وجعل الصناعة أكثر تنافسية.
بالطبع، لا توجد حزمة إصلاحية تضمن النجاح بمفردها.
النجاح الحقيقي يعتمد على التنفيذ الحازم للسياسات المعلنة على أرض الواقع.
من منظور المستثمر، أكبر حفز ليس فقط المزايا الضريبية.
أكبر حافز هو: بيئة استثمارية موثوقة، وقواعد يمكن التنبؤ بها، وعمليات تعمل بسرعة، ومؤسسات توظف الحلول.
هذه هي النقطة التي لفتت انتباهي بالضبط.
لم تعد مصر تقول للمستثمر فقط: "تعالوا واستثمروا."
بل توجه الرسالة التالية أيضاً:
"تعالوا وأنتجوا؛ ودعونا نزيل العقبات التي تعترض الإنتاج معاً."
يجب تقييم هذه التطورات بعناية من قبل الصناعيين الذين يخططون للاستثمار في مصر القادمين من تركيا.
يقدم النظام الجديد فرصاً هامة لا سيما للشركات العاملة في مجال صناعة الأغذية، والإنتاج الزراعي، وتصنيع الآلات، والتعبئة والتغليف، ومواد البناء، والخدمات اللوجستية، والإنتاج الموجه للتصدير.
ولكن كما هو الحال في كل قرار استثماري، فإن مفتاح النجاح هنا هو: إجراء دراسة جدوى صحيحة، وتحليل الظروف المحلية بشكل جيد، والتفكير على المدى الطويل.
عندما أنظر إلى مصر اليوم، لا أرى مصانع جديدة فحسب.
أرى فهماً جديداً يضع الإنتاج في المركز...
وعمليات استثمارية تتم رقمنتها...
وسياسة صناعية تستخدم مواردها بشكل أكثر كفاءة...
ورؤية قوية تهدف إلى زيادة القدرة التنافسية العالمية.
ربما لن نتمكن من رؤية جميع نتائج هذه الإصلاحات على المدى القصير.
لكنني أؤمن بأن الاتجاه صحيح.
لأن الاقتصاد القوية لا تنمو فقط بجذب الاستثمار، بل بالسياسات التي تفتح الطريق أمام المستثمر، وتُسهل الإنتاج، وتدعم ديناميكية القطاع الخاص.
ربما بعد سنوات عندما نقيم اليوم، سنقول هذه العبارة:
"لم يبدأ تحول مصر الحقيقي بالحث والحوافز الجديدة فحسب، بل بالإصلاحات التي غيرت نظرتها إلى الصناعة."
ملاحظة: التقييمات الواردة في هذا المقال تستند إلى الملاحظات الميدانية طويلة الأجل للكاتب، وتجاربه في عالم الأعمال، وتحليلاته الشخصية المكتسبة في مصر.
ملاحظة قصيرة
قبل أن أتم كتابتي، أود أيضاً مشاركة سعادتي إزاء انتقال محمد صلاح، أحد أهم لاعبي كرة القدم الذين أنجبتهم مصر، إلى نادي ترابزون سبور.
على مدار سنوات، كان صلاح أحد أهم ممثلي ليس فقط كرة القدم المصرية، بل كرة القدم الأفريقية أيضاً. وقد اكتسب مكانة محترمة في عالم كرة القدم كرياضي يشكل قدوة لملايين الشباب بانضباطه وشخصيته واحترافيته.
إنني أؤمن من كل قلبي أنه سيقدم مساهمات هامة لنادي ترابزون سبور وكرة القدم التركية. وإذ أؤمن بأنه سيضيف قيمة لكل من ناديه والدوري الممتاز بجودته على أرض الملعب، وخبرته، وقيادته؛ أتمنى أن تكون هذه الحقبة الجديدة خيراً لمجتمع ترابزون سبور، ولمحمد صلاح، وكرة القدم التركية.
أتمنى له التوفيق والنجاح المتألق في فريقه الجديد.












شكرا جزيلا حسن بك علي رأيك الكريم ودائما كنت داعما لجلب المستثمرين الجادين الي السوق المصري بالتوفيق دائما????❤️