حقائق تُرى من القاهرة إلى العالم
في مقالي الأول، تحدثت عن التحول الكبير الذي شهدته مصر في السنوات الأخيرة. وبعد المقال، طرح عليّ العديد من أصدقائي في تركيا ومصر نفس السؤال:
"هل تتغير مصر حقاً بهذا القدر؟"
من الممكن الإجابة على هذا السؤال ببيانات اقتصادية فقط؛ حيث يمكن سرد معدلات النمو، وأرقام الصادرات، وحجم الاستثمارات، والمناطق الصناعية الجديدة. ولكن في بعض الأحيان، تروي الحياة ما تعجز الأرقام عن وصفه.
أنا اليوم لا أريد أن أتحدث إليكم عن الإحصائيات، بل عن مصر التي أعيش فيها كل يوم.
أعيش في القاهرة منذ أكثر من خمسة وعشرين سنوات. وخلال هذه الفترة، أتيحت لي الفرصة للوجود في المصانع، والمناطق الصناعية، والموانئ، والأراضي الزراعية، والمؤسسات الحكومية، وعالم الأعمال. أنا لست شخصاً يقيّم مصر من بعيد؛ بل شخص يعيش هذا التحول في الحياة اليومية، ويستثمر، ويكون جزءاً من الإنتاج. لذلك، ما سأنقله ليس مجرد تقييمات نظرية، بل انعكاس للتجارب والملاحظات التي اكتسبتها في الميدان.
من الخارج، لا تزال مصر تُذكر غالباً بالأهرامات ونهر النيل والسياحة. ومع ذلك، فإن القصة الحقيقية التي تُكتب هنا اليوم هي قصة الإنتاج.
عندما تذهب إلى المناطق الصناعية مع أول خيوط الفجر، ترى آلاف الأشخاص يعملون من أجل نفس الهدف. المصانع الجديدة ترتفع، والمنشآت الحالية تزيد من طاقتها، ومراكز الخدمات اللوجستية تتوسع. الحركة في الموانئ لا تتوقف أبداً. قناة السويس لم تعد مجرد ممر مائي تعبره السفن؛ بل أصبحت أحد مراكز النظام البيئي للإنتاج والخدمات اللوجستية والتجارة الذي يتشكل حولها.
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة. لم تعد الشركات ترغب في جعل إنتاجها يعتمد على دولة واحدة. فهي تعمل على تنويع سلاسل التوريد الخاصة بها، وإنشاء قواعد إنتاج أقرب إلى الأسواق، وتوزيع مخاطرها. وهنا تحديداً، تجذب مصر انتباه المستثمرين العالميين يوماً بعد يوم بفضل موقعها الاستراتيجي.
لكن قوة مصر لا تعتمد فقط على موقعها على الخريطة.
فموقعها الاستراتيجي الذي يربط أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بالإضافة إلى سكانها الشباب والديناميكيين وسوقها المحلي الواسع، يوفر للبلاد مزايا مهمة. وأنا أؤمن بأن هذه المزايا ستؤدي إلى نتائج اقتصادية أكبر بكثير من خلال التخطيط الصحيح والاستثمارات المستدامة والسياسات الموجهة نحو الإنتاج.
بالطبع، مثل كل اقتصاد نامٍ، هناك بعض التحديات التي يجب على مصر تجاوزها.
أعتقد أن ثقافة الكفاءة بحاجة إلى تعزيز، والتعليم المهني بحاجة إلى تطوير، ومعايير الجودة في الصناعة بحاجة إلى الرفع، والتحول التكنولوجي بحاجة إلى التسريع. أنا لا أقيم هذه النقاط كنقد، بل كمجالات للتطوير من شأنها أن ترفع إمكانات البلاد إلى مستوى أعلى.
لأن الدول القوية ليست هي الدول التي لا تشوبها شائبة؛ بل هي الدول التي تستطيع رؤية أوجه القصور لديها، والتحدث عنها، وإيجاد الحلول لها.
بالنسبة للمستثمرين الأتراك، تقدم مصر فرصاً مهمة يجب تقييمها بعناية. عندما تجتمع خبرة تركيا في الإنتاج مع المزايا الاستراتيجية لمصر، يمكن أن يبرز تآزر اقتصادي قوي، ليس فقط للبلدين، بل للمنطقة بأكملها. ولكن، مثل أي استثمار، يعتمد النجاح هنا على دراسات الجدوى الصحيحة، وشركاء العمل الموثوقين، وفهم الديناميكيات المحلية، والرؤية طويلة المدى.
أحد أكثر الأمور التي أثرت فيّ هو إيمان الشعب المصري بالمستقبل. فعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية، أرى الناس يواصلون الإنتاج والعمل وبناء مستقبل أفضل لأطفالهم. في رأيي، هذا الأمل هو رأس مال لا يقل قيمة عن المؤشرات الاقتصادية.
اليوم، يبحث العالم عن مراكز إنتاج جديدة. وطرق التجارة يعاد تشكيلها. وموازين القوى الإقليمية تتغير. وسيكشف الوقت عن المكانة التي ستصل إليها مصر في ظل هذا التحول الكبير. ومع ذلك، فإن الصورة التي أراها على أرض الواقع تُظهر أن هذه الدولة أبدت إرادة قوية لزيادة قدرتها الإنتاجية.
أكتب هذه السطور من القاهرة. ومن نافذتي، أحاول ألا أرى اليوم فقط، بل المستقبل أيضاً. لأن الدول لا تتغير بين عشية وضحاها. التحولات الكبرى هي نتيجة الرؤية الصحيحة والصبر والإنتاج والجهد المشترك للناس.
مصر تمر اليوم بمثل هذه المرحلة.
بالنسبة لأولئك الذين يستطيعون قراءة هذا التغيير بشكل صحيح، فإن مصر ليست مجرد سوق كبير. بل هي أيضاً مركز استراتيجي يُعاد فيه تشكيل الإنتاج والتصدير والاستثمار والتعاون الإقليمي.
أنا لا أنظر إلى مصر فقط كدولة أعيش فيها. بل أراها أيضاً أرضية صلبة حيث سيتعزز التعاون الاقتصادي بين تركيا ومصر، وستزداد الاستثمارات المشتركة، ويمكن لبلدين صديقين أن ينموا معاً.
أنا أؤمن بأن هذا التحول سيتسارع أكثر في السنوات القادمة. بالطبع ستكون هناك صعوبات، فكل نمو له مشاكله الخاصة. المهم ليس وجود المشاكل، بل استمرار الإرادة لحلها.
أود أن أختم مقالي بهذه الفكرة:
بعض الدول تُذكر بماضيها، وبعضها يبرز بما تفعله اليوم، والبعض الآخر يُتحدث عنه بالأمل الذي يخلقه للمستقبل. وأنا أؤمن بأن مصر تسير على الطريق لتصبح واحدة من الدول التي سيُتحدث عنها أكثر بسبب مستقبلها. وسوف تتحدد نجاح هذه الرحلة من خلال الخطوات الصحيحة التي يتم اتخاذها بدءاً من اليوم.








