بالنسبة للكثير من المراقبين من الخارج، لا تزال صورة "مصر القديمة" هي الطاغية في الأذهان. لكن من يعيش داخل البلاد، ومن يعمل في الإنتاج أو يتعامل مع المستثمرين، يلمس واقعاً مختلفاً تماماً. إن مصر تمر حالياً بعملية تحول اقتصادي هادئ ولكنها حازمة.
بعدد سكان يقترب من 120 مليون نسمة، لا تعد مصر مجرد سوق استهلاكية ضخمة فحسب، بل هي تمضي قدماً لتصبح مركزاً إقليمياً للصناعة. توفر استثمارات الدولة في المناطق الصناعية، والموانئ الجديدة، والطرق السريعة، والمراكز اللوجستية، ومشاريع الطاقة، مزايا تنافسية كبيرة للمنتجين. واليوم، تنظر العديد من الشركات العالمية إلى مصر كقاعدة تصنيع استراتيجية للوصول إلى أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
ويعد قطاع الزراعة ركيزة أساسية أخرى في هذا التغيير؛ فبفضل أنظمة الري الحديثة، واستثمارات الصوب الزراعية، ونموذج الإنتاج الموجه للتصدير، أصبحت مصر واحدة من أهم الموردين العالميين للخضروات والفواكه المجمدة، والحمضيات، والبطاطس، والبصل، والعديد من المنتجات الزراعية الأخرى. لم تعد الزراعة مجرد قطاع لتلبية احتياجات السوق المحلي، بل تحولت إلى قطاع استراتيجي يوفر العملة الصعبة.
بالطبع، هناك تحديات تواجه مصر؛ حيث يمكن أن يشكل التضخم، وتوازن العملات الأجنبية، وصعوبات الحصول على التمويل، والبيروقراطية أحياناً عوائق أمام المستثمرين. ومع ذلك، يستمر الإنتاج، وتُفتتح مصانع جديدة، وتكتسب الصادرات أهمية أكبر عاماً بعد عام.
تكمن الميزة الكبرى لمصر اليوم في قوتها البشرية الشابة، وتكاليف العمالة التنافسية، وموقعها الاستراتيجي عند ملتقى ثلاث قارات، واتفاقيات التجارة الحرة الواسعة التي ترتبط بها. هذه المزايا، إذا ما اقترنت بالسياسات الصحيحة، يمكن أن تجعل من البلاد مركزاً إنتاجياً مهماً ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على النطاق العالمي أيضاً.
إن العنصر الذي سيحدد نجاح مصر في السنوات الخمس إلى العشر القادمة ليس مجرد المشاريع العملاقة، بل القدرة على زيادة الإنتاج ذي القيمة المضافة، والاستثمار في التكنولوجيا، وضمان استدامة النمو الموجه نحو التصدير.
مستقبل مصر لا يكتُب في الأهرامات وحدها، بل يصاغ في مصانعها، وأراضيها الزراعية، وموانئها، وشركاتها التي تقتحم الأسواق العالمية. قد لا يلاحظ أولئك الذين يراقبون هذا التغيير من بعيد أبعاده الكاملة بعد، لكن من يعملون على أرض الواقع يدركون أن مصر تمضي قدماً نحو حقبة اقتصادية جديدة بخطوات وئيدة ولكنها ثابتة.










أحسنت الكتابة والنشر يا حسن بك تحياتى لك ????