لا تقف كولومبيا اليوم عند مفترق طرق، بل تقف على حافة الهاوية. إن ذلك "الكابوس المروع" الذي عشناه لفترة طويلة، لم ينتهِ -للأسف- بصحوة، بل انتهى بالانغماس في ظلام أكثر دكنة. إن النتيجة التي تمخضت عنها صناديق الاقتراع ليست مجرد تغيير في الإدارة، بل هي ضربة قاصمة لمؤسسات الجمهورية، ولسيادة القانون، وللسلم الاجتماعي. إن صعود "أبيلاردو دي لا إيسبرييلا" إلى السلطة يمثل تجسيداً للوجه الأكثر فجاجة وعدوانية وتسلطاً للشعبوية.
ليس سياسة، بل مشروع تدمير
إن "أبيلاردو"، الذي يطلق شعارات مثل "سأغير السياسة إلى الأبد"، لا يحمل في جعبته رؤية سياسية، بل يحمل عملية تصفية. فصورته التي رسمها خلال حملته الانتخابية لا تعكس قائدًا يسعى لإيجاد الحلول، بل شخصية تتوق للانتقام. إن وعوده بتسريح 40% من موظفي الخدمة المدنية، وتقليص الدولة تحت ذريعة "الترشيد"، وتقويض الحقوق الاجتماعية الأساسية، واستخدام الاستقطاب الاجتماعي كأداة للحكم، لا يمكن تفسيرها إلا كاستراتيجية للاستيلاء على الدولة، لا كإدارة لها.
إن "الوطن المعجزة" الذي يعد به ليس إلا هيكلاً هشاً يخدم مصالحه ومصالح أتباعه. فهذه العقلية التي تحاول استيراد النموذج السلطوي لـ "نايب بوكيلة" إلى كولومبيا، لا تقدس دقة العمل الديمقراطي، بل تقدس برودة جدران السجون. عندما يبدأ مجتمع ما في التضحية بحرياته واحدة تلو الأخرى تحت ستار "محاربة الجريمة"، فإن ما يتبقى ليس "وطناً آمناً"، بل سجناً محكوماً بالصمت.
الأوهام والعمى الأيديولوجي
إن خطاب "الحرية والنظام" لدى دي لا إيسبرييلا ليس سوى شعارات فارغة مليئة بالتناقضات. فكيف لمن يجهل القوانين التي تحمي الحرية الحقيقية، ويبحث فقط عن "النظام"، أن يحل مشاكل الفقر وعدم المساواة المزمنة في كولومبيا؟ إن أولئك الذين يزعمون إنهاء الجوع بشعارات جوفاء مثل "خطة حصاد التضامن"، لا يعتمدون على أنظمة الري أو التمويل أو السياسات الزراعية الهيكلية، بل يعتمدون على آلات الدعاية.
هذا الانتصار ليس إنجازاً، بل هو رغبة في "تصفية الحسابات". ولكن مع من؟ مع الشعب، أم مع كل من لا يتفق مع رؤيته للعالم؟ إن حماسه لنقل العلاقات مع إسرائيل إلى "أعلى المستويات" ليس عملاً دبلوماسياً براغماتياً، بل هو محاولة لتحويل السياسة الخارجية إلى اختبار ولاء أيديولوجي.
قلق على المستقبل
إن الرؤية التقدمية التي يمثلها "إيفان سيبيدا"، القائمة على احترام الاختلاف والتعايش والحريات المدنية، دخلت الآن في صمت مؤقت. ولكن يجب ألا ننسى أن الأنظمة التي تُبنى بالقوة الغاشمة والخطابات المتغطرسة والحملات المدعومة من الخارج، لا يمكنها أبداً إرساء أسس السلم الاجتماعي.
إن النظام الديمقراطي في كولومبيا يواجه اختباراً وجودياً. إذا اختار "دي لا إيسبرييلا" إسكات المعارضين، وتطويع القانون لمصالحه، ورسم حدود فاصلة بين "من هم معنا" و"من هم ضدنا"، فلن يكون المنتصر هو شخصه فقط، بل ستنتصر تلك العقلية المظلمة التي تطفئ مستقبل كولومبيا.
إن كل صوت في صناديق الاقتراع يحمل مسؤولية، لكن تلك الصناديق ما كان ينبغي أن تكون بوابة لشرعنة الانهيار الأخلاقي. هل استيقظت كولومبيا على فجر مظلم فقدت فيه أملها؟ سيحكم التاريخ، كأقسى القضاة، على هذا السؤال خلال السنوات الأربع القادمة. أما نحن، فسنبقى وسط هذا "الكابوس"، نراقب ونراقب، ونواصل النضال حتى لا ينطفئ ضوء الديمقراطية والحرية.






