تنزف القارة الأوروبية في خضم أعمق وأقوى أزمة أمنية تصدم تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية. فالضغط العسكري الروسي الكاسح عبر أوكرانيا، وسياسة واشنطن القائمة على السحب التدريجي لقواتها العسكرية من القارة، كانا كافيين لتطيير النوم من عيون القادة الأوروبيين. وأمام مشهد انسحاب المظلة النووية الأمريكية التي استندوا إليها طيلة ثمانين عاماً، تبحث أوروبا الآن على عجل عن سبل لتحصين أمنها القومي. وفي وسط أجواء الذعر الجيوسياسي هذه، ترمي فرنسا بورقتها النووية على الطاولة، معلنةً نفسها حامياً جديداً للقارة.
الخيانة الأمريكية واستدعاء إرث شارل ديغول في باريس
إن الحقيقة التي طالما حذرنا منها ومفادها أن "أوروبا لا تهم أمريكا" باتت اليوم مكشوفة في أبهى صورها العارية. فالأجندة الرئيسية لواشنطن لم تعد حماية أوروبا، بل التركيز على صراع الهيمنة العالمي الذي ستخوضه ضد الصين في المحيط الهادئ. ولم يكن وقوف البيت الأبيض مكتوف الأيدي أمام الهجوم الروسي الضخم الذي شُن ضد أوكرانيا في الأسبوعين الماضيين، وعجزه عن إرسال حتى أبسط منظومات الدفاع الجوي "باتريوت" إلى كييف، إلا القشة التي قصمت ظهر الأوروبيين. إن صورة "أمريكا غير الموثوقة" التي بدأت مع صعود دونالد ترامب، تحولت اليوم إلى تخلي استراتيجي كامل.
وفي مواجهة سيناريو الخيانة هذا، تستيقظ غريزة تاريخية؛ ففرنسا التي تقدس استقلالها العسكري منذ عهد الرئيس الأسبق شارل ديغول، تعود إلى المسرح مجدداً لتغلق القوس الموالي لأمريكا الذي فُتح في عهد ساركوزي. وقد أحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا العام تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية الفرنسية، عارضاً وضع قوة الردع النووي الفرنسية في خدمة القارة الأوروبية بأكملها. ومع بقاء باريس القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا عبر "بريكست"، فإنها تسعى لجعل ترسانتها الموزعة على مقاتلات "رافال" والغواصات النووية العمود الفقري للدفاع الأوروبي المستقل عن حلف شمال الأطلسي (الناتو).
سلسلة تحالفات جديدة ضد العقلية الدولية المهيمنة
رغم أن باريس تستخدم لغة دبلوماسية قائلة: "نحن لا نبحث عن بديل للناتو"، إلا أن الواقع العملي على الأرض يثبت عكس ذلك تماماً. ففي ظل غياب المظلة الأمريكية، تهرع الدول الأوروبية للنجاة بنفسها تحت هذه المظلة التي فتحتها فرنسا.
وتنقاد دول جديدة يوماً بعد يوم إلى سلسلة التعاون النووي الاستراتيجي:
الموجة الأولى: استجابت ألمانيا، وهولندا، وبلجيكا، والدنمارك، والسويد، واليونان فوراً لدعوة باريس للحوار الاستراتيجي.
الموجة الثانية: دول شرق أوروبا التي ترتعد خوفاً من روسيا، وخاصة بولندا، تهافتت على هذه المبادرة، لدرجة أن بولندا أعلنت أنها لا تستبعد استضافة أسلحة نووية فرنسية مستقبلاً إذا رغبت باريس في ذلك.
المنضم الأحدث: في الأسبوع الماضي، انضمت النرويج -اللاعب الحرج في الدول الإسكندنافية- إلى ركب الولاء لباريس بتوقيعها هذه الاتفاقية الاستراتيجية.
ومن المؤكد أن تنضم دول أخرى إلى هذا التحالف النووي قبل نهاية العام، أو ربما الشهر المقبل بعد قمة الناتو الحاسمة التي ستُعقد في تركيا. ولن يبقى خارج هذه المقامرة النووية سوى الدول "المحايدة" تقليدياً مثل النمسا، وسويسرا، وأيرلندا.
الزر المحجوب: شرط السيادة لباريس
لكن ثمة حقيقة قاسية جداً يجب على الدول الراكضة وراء هذا التحالف أن تدركها: وهي أنه بينما تتعهد فرنسا بتطوير التخطيط العسكري، والتدريب المشترك، والحوار الاستراتيجي، فإنها لن تشارك الزر الأحمر للترسانة النووية مع أحد! فالسيطرة المطلقة والنهائية على الأسلحة النووية ستبقى حكراً على الصلاحيات الحصرية للرئيس الفرنسي وحده.
إن الحوار السري الجاري في هذا السياق بين باريس وألمانيا -القوة الاقتصادية الضخمة لأوروبا- سيغير هيكلية الدفاع الأوروبي جذرياً في السنوات القادمة. ووكما اعترفت صحيفة "فاينانشال تايمز" علانية؛ فإن واشنطن، ورغم ترحيبها بتحمل الأوروبيين لأعباء دفاعهم بأنفسهم، إلا أنها منزعجة للغاية من هذا المحور النووي الفرنسي البديل الذي سيكسر الاحتكار النووي لحلف الناتو ويضعف النفوذ الأمريكي في القارة.
مئات الصواريخ الفرنسية ضد آلاف الرؤوس الحربية الروسية: ردع واقعي أم انتحار؟
ينقسم الخبراء العسكريون والاستراتيجيون حالياً إلى جبهتين؛ إذ يرى جانب أن القدرة النووية الفرنسية محدودة للغاية، مشيرين إلى أن فرنسا لا تملك سوى بضع مئات من الرؤوس الحربية مقارنة بالآلاف التي تمتلكها روسيا. وتطالب هذه المدرسة قاصرة النظر بضرورة الانتظار كالعناكب عند أبواب واشنطن مهما حدث.
لكن الوجه الآخر للعملة يبدو أكثر إبهاراً؛ فرياضيات الحرب النووية لا تُقاس بالكمية، بل بقوة التدمير. واليوم، فإن إطلاق بضع عشرات فقط من مئات الرؤوس النووية التي تمتلكها فرنسا وبريطانيا كافٍ لإيقاف الحياة نهائياً في أي قوة على وجه الأرض، بما في ذلك روسيا، ومحو ذلك البلد من الخريطة. فالردع لا يكمن في الأعداد، بل في الإرادة السياسية لإطلاق هذه الصواريخ.
الكلمة الأخيرة: أوروبا تواجه الحقيقة بعد عقود
إن هذه الديناميكية هي المؤشر الأكثر وضوحاً على التهديد الأمن القاتل والصحوة الجيوسياسية التي تواجهها القارة. فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، أدرك الأوروبيون أنهم لا يستطيعون استئمان أمنهم النووي لسياسات واشنطن الخبيثة والمتقلبة.
إن هذه الخطوة النووية التي بدأتها فرنسا، أبعد من كونها عملية عسكرية، هي صفعة سياسية قوية وُجهت للهيمنة الأمريكية. ومهما كان حجم التهديد الروسي، فإن أوروبا مجبرة على قطع حبلها السري بنفسها في مواجهة السياسة الخارجية الأمريكية المتقلبة في مرحلة ما بعد ترامب. قد تكون مظلة فرنسا النووية محدودة، لكنها الواقع الاستراتيجي الوحيد والحتمي الذي يوقظ أوروبا النائمة ويجبرها على تحمل مسؤولية الدفاع!







