شهدت العاصمة الإيرانية طهران، إلى جانب عدد كبير من المدن الأخرى، مساء الخميس، خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع احتجاجًا على السلطات الحاكمة. وتُعد هذه التحركات من أوسع موجات الاحتجاج المناهضة للنظام الديني التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة.
وبحسب مقاطع مصوّرة جرى التحقق منها من قبل القسم الفارسي في هيئة الإذاعة البريطانية، خرجت تظاهرات حاشدة في طهران ومدينة مشهد، ثاني أكبر مدن إيران، واتسمت في معظمها بالطابع السلمي دون تدخل فوري من قوات الأمن. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، أفادت جهات متخصصة في مراقبة الشبكات بقطع خدمة الإنترنت على مستوى البلاد.
وتُظهر التسجيلات المتداولة هتافات تطالب برحيل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، إلى جانب دعوات لعودة رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل والمقيم في المنفى. وكان بهلوي قد دعا في وقت سابق أنصاره إلى النزول إلى الشوارع. وفي بيان نشره على منصة إكس، أشاد بالمتظاهرين واصفًا إياهم بـ«المواطنين الشجعان».
كما وجّه بهلوي الشكر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، داعيًا المجتمع الدولي، ولا سيما القادة الأوروبيين، إلى اتخاذ مواقف أكثر حزمًا ودعم الشعب الإيراني بشكل واضح، وإنهاء ما وصفه بحالة الصمت.
وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق موجة غضب شعبي متصاعدة بسبب الانهيار المتسارع للعملة الإيرانية وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وتشير منظمات حقوقية إلى أن التظاهرات دخلت يومها الثاني عشر على التوالي، وامتدت إلى أكثر من مئة مدينة وبلدة في المحافظات الإحدى والثلاثين للبلاد.
وأفادت وكالة أنباء حقوق الإنسان «هرانا»، ومقرها الولايات المتحدة، بمقتل ما لا يقل عن 34 متظاهرًا و8 من عناصر الأمن، إضافة إلى اعتقال نحو 2270 شخصًا. من جانبها، أعلنت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» ومقرها النرويج، أن عدد القتلى من المتظاهرين لا يقل عن 45 شخصًا، بينهم عدد من الأطفال. وأكد القسم الفارسي في «بي بي سي» مقتل 22 شخصًا بعد التحقق من هوياتهم، فيما أقرت السلطات الإيرانية بمقتل ستة من أفراد قوات الأمن.
وأظهرت مقاطع فيديو من مدينة مشهد حشودًا كبيرة تسير في الشوارع الرئيسية، مع قيام بعض المحتجين بإزالة كاميرات مراقبة مثبتة على الجسور. كما سُجلت مسيرات في شرق وشمال طهران، رُددت خلالها شعارات حادة ضد القيادة السياسية. وظهرت مشاهد مماثلة من مدينة بابل شمالي البلاد.
في المقابل، حاولت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية التقليل من حجم الأحداث، بل نفت في بعض التقارير وقوع احتجاجات من الأساس، ونشرت مقاطع لشوارع خالية. غير أن صورًا من محافظات إيلام وكرمانشاه ولورستان أظهرت إغلاق عدد كبير من المتاجر ومشاركة السكان في إضرابات واسعة.
وجاء ذلك بعد دعوات أطلقتها مجموعات كردية معارضة في الخارج لتنفيذ إضراب عام، احتجاجًا على القمع العنيف في المناطق الغربية. ووفقًا لمنظمة «هنغاو» الكردية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 17 متظاهرًا في هذه المحافظات، وكان معظم الضحايا من الأكراد أو اللور.
وشهد يوم الأربعاء مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في عدة مناطق غرب البلاد وأماكن أخرى. ووصفت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» ذلك اليوم بأنه الأكثر دموية منذ بدء الاحتجاجات، مؤكدة مقتل 13 متظاهرًا. في المقابل، أعلنت وكالة «فارس» شبه الرسمية، المقربة من الحرس الثوري، مقتل ثلاثة من عناصر الشرطة خلال الاضطرابات.
وعلى الصعيد الدولي، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديده بالتدخل العسكري إذا أقدمت السلطات الإيرانية على قتل المتظاهرين. في حين دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قوات الأمن إلى ضبط النفس والتعامل مع الاحتجاجات السلمية دون عنف. أما المرشد الأعلى علي خامنئي، فأكد ضرورة الحوار مع المحتجين، مع التشديد في الوقت ذاته على التعامل الحازم مع من وصفهم بمثيري الشغب.
وتعود شرارة الاحتجاجات إلى 28 ديسمبر، عندما خرج التجار في طهران احتجاجًا على التراجع الحاد لقيمة الريال أمام الدولار في السوق الحرة. وخلال العام الماضي، سجلت العملة الإيرانية مستويات قياسية من التدهور، فيما ارتفعت معدلات التضخم إلى نحو 40 في المئة، نتيجة العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي وسوء الإدارة والفساد.
وسرعان ما انضم طلاب الجامعات إلى الاحتجاجات، التي انتشرت في مختلف أنحاء البلاد، وردد خلالها المحتجون شعارات تنتقد النظام الديني. وتُعد هذه المظاهرات الأوسع منذ احتجاجات عامي 2022 و2023 التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق. أما أكبر موجة احتجاجات منذ قيام الجمهورية الإسلامية، فقد وقعت عام 2009 عقب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل.













